أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
217
العقد الفريد
سيفا قاطعا وترسا صلبا . فأعطيناه ومشى إليه ، فضربه الشامي فاتّقاه بالترس وضرب رجله فقطعها ، وقتله ورجع ، فحملناه وكبرنا ، فإذا هو عبيد اللّه الكابلي . سمر المنصور ذات ليلة ، فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم ، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين ، وكانت همتهم مع عظم شأن الملك وجلالة قدره ، قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي اللّه ومساخطه جهلا باستدراج اللّه وأمنا لمكره ؛ فسلبهم اللّه العز ونقل عنهم النعمة . فقال له صالح ابن علي : يا أمير المؤمنين ، إن عبد اللّه بن مروان لما دخل النوبة هاربا فيمن تبعه ، سأل ملك النوبة عنهم فأخبر ، فركب إلى عبد اللّه فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه ، وأزعجه « 1 » عن بلده ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك ! فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قدمنا أرض النوبة وقد خبّر الملك بأمرنا ، فدخل عليّ رجل أقنى « 2 » الأنف طوال حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب ، فقلت : ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا ؟ قال : لأني ملك ، ويحق على الملك أن يتواضع لعظمة اللّه إذ رفعه اللّه ! ثم قال لأي شيء تشربون الخمر وهي محرمة عليكم ؟ قلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وغلماننا وأتباعنا ، لأن الملك قد زال عنا . قال : فلم تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم ؟ قلت : يفعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم . قال : فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم ؟
--> ( 1 ) أزعجه عن بلده : طرده . ( 2 ) أقنى الأنف : أي ارتفع وسط قصبته وضاق منخراه .